أبو الليث السمرقندي

255

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ يعني : لكنهم قالوا : إنا وجدنا آباءنا على دين وملة . وقال القتبي : أصل الأمة الجماعة ، والصنف . كقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] ثم يستعار في أشياء منها : الدين . كقوله : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي : على دين ، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد ، فتقام الأمة مكان الدين ، ولهذا قيل للمسلمين : أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنهم على ملة واحدة ، وهي الإسلام . وروى مجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، أنهما قرءا أُمَّةٍ بكسر الألف ، أي : على نعمة . ويقال : على هيئة ، وقراءة العامة بالضمة ، يعني : على دين وروى أبو عبيدة ، عن بعض أهل اللغة ، أن الأمة والأمة لغتان . ثم قال : وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ يعني : مستيقنين وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني : جبابرتها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ يعني : بسنتهم مقتدون . أي : بأعمالهم . قال اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم : قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى يعني : أليس هذا الذي جئتكم به ، هو أهدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ يعني : بأصوب وأبين من ذلك . قرأ ابن عامر ، وعاصم في رواية حفص قالَ أَ وَلَوْ على معنى الخبر والباقون ( قل ) بلفظ الأمر . وقرأ أبو جعفر المدني ( جئناكم ) بلفظ الجماعة . قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني : إن الجبابرة قالوا لرسلهم : إنا بما أرسلتم به جاحدون . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 25 إلى 30 ] فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) قوله عز وجل : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يعني : آخر أمرهم . قوله عز وجل : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني : بريء من معبودكم . ذكر عن الفراء أنه قال : براء مصدر صرف أسماء ، وكل مصدر صرف إلى اسم ، فالواحد ، والجماعة ، والذكر ، والأنثى فيه سواء . قوله عز وجل : إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يعني : إلا الذي خلقني ، فإني لا أتبرأ منه . فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ويقال : إلا بمعنى لكن . يعني : لكن الذي خلقني ، فهو سيهدين ، يعني : يثبتني على دين الإسلام وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ يعني : جعل تلك الكلمة ثابتة في نسله وَذُرِّيَّتَهُ وهي كلمة التوحيد لا إله إلا اللّه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم إلى الإيمان . وقال قتادة : هو التوحيد والإخلاص ، لا يزال في ذريته . من يوحدوا اللّه تعالى ، ويعبدوه وقال مجاهد : يعني :